ابن كثير

508

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

كان حريصا على هداية قومه . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عبيد اللّه ، حدثنا ابن جابر هو محمد عن عبد الملك يعني ابن عمير قال : قال عروة بن مسعود الثقفي رضي اللّه عنه للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني أخاف أن يقتلوك » فقال : لو وجدوني نائما ما أيقظوني ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « انطلق » فانطلق ، فمر على اللات والعزى ، فقال : لأصبحنك غدا بما يسوؤك ، فغضبت ثقيف ، فقال : يا معشر ثقيف إن اللات لا لات وإن العزى لا عزى ، أسلموا تسلموا ، يا معشر الأحلاف إن العزى لا عزى وإن اللات لا لات ، أسلموا تسلموا ، قال ذلك ثلاث مرات ، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله ، فبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « هذا مثله كمثل صاحب يس » قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ . وقال محمد بن إسحاق عن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم أنه حدث عن كعب الأحبار ، أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم أخو بني مازن بن النجار الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة حين جعل يسأله عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجعل يقول له : أتشهد أن محمدا رسول اللّه ؟ فيقول : نعم ، ثم يقول : أتشهد أني رسول اللّه ؟ فيقول : لا أسمع ، فيقول له مسيلمة لعنه اللّه : أتسمع هذا ، ولا تسمع ذاك ؟ فيقول : نعم ، فجعل يقطعه عضوا عضوا كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه ، فقال كعب حين قيل له اسمه حبيب : وكان واللّه صاحب يس اسمه حبيب . وقوله تبارك وتعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه غضبا منه تبارك وتعالى عليهم ، لأنهم كذبوا رسله وقتلوا وليه ، ويذكر عز وجل أنه ما أنزل عليهم وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم ، بل الأمر كان أيسر من ذلك . قاله ابن مسعود فيما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عنه أنه قال في قوله تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي ما كاثرناهم بالجموع ، الأمر كان أيسر علينا من ذلك إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ قال : فأهلك اللّه تعالى ذلك الملك الجبار ، وأهلك أهل أنطاكية ، فبادوا عن وجه الأرض فلم يبق منهم باقية « 1 » . وقيل وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم ، وقيل المعنى في قوله تعالى : وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أي من رسالة أخرى إليهم ، قاله مجاهد وقتادة . قال قتادة : فلا واللّه ما عاتب اللّه قومه

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 437 .